
صدى الولاية الإخباري | كتب الإعلامي خضر رسلان:
هدوء الجبهات… وصراع خلف الكواليس
قال رسلان إن قراءة المشهد الإقليمي انطلاقاً من الهدوء الذي يسيطر على بعض الجبهات قد تكون مضللة، لأن خلف هذا الهدوء تتحرك ملفات عدة في اتجاهات متوازية، فيما تخوض الأطراف المعنية مرحلة جديدة من الصراع تقوم على الاستنزاف والضغط وتبادل الرسائل واختبار حدود الخصم، بدلاً من الذهاب مباشرة إلى حرب مفتوحة.
وأضاف أن المواجهة الأميركية ـ الإيرانية لم تُغلق أبوابها، حتى مع تراجع احتمالات الحرب الواسعة مؤقتاً، مشيراً إلى أن واشنطن تواجه ضغوطاً مرتبطة بكلفة المواجهة واستنزاف جزء من مخزونها العسكري، بينما تواصل طهران رفع مستوى التهديد والتأكيد أن أي عودة إلى الحرب ستقابل برد مختلف عن الحسابات التقليدية.
ويرى رسلان أن المعادلة أصبحت أكثر تعقيداً، فالولايات المتحدة لا تريد الانجرار إلى حرب طويلة ومكلفة، فيما لا تبدو إيران مستعدة لقبول استمرار الضغط الأميركي من دون ثمن، ما يدفع المواجهة تدريجياً نحو الاقتصاد والعقوبات والطاقة والممرات البحرية.
وأشار إلى أن مضيق هرمز يمثل إحدى أهم أوراق الضغط في هذه المرحلة، نظراً إلى موقعه المحوري في حركة الطاقة والتجارة العالمية، لافتاً إلى أن ارتفاع مستوى التوتر في المضيق ينعكس سريعاً على أسعار النفط والاقتصادات المرتبطة باستقرار إمدادات الطاقة.
وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تزيد على 90 دولاراً للبرميل يضيف عاملاً ضاغطاً جديداً، إذ لا تقتصر تداعيات الأسعار المرتفعة على المستهلكين والأسواق، بل تمتد إلى الاقتصاد الأميركي في ظل ارتفاع الدين العام والتوترات الاقتصادية.
وفي الملف اللبناني، قال رسلان إن الجبهة الجنوبية تبقى من أكثر الجبهات حساسية، وإن الهدوء على الحدود لا يعني بالضرورة انتهاء المواجهة، بل قد يمثل مرحلة لإعادة ترتيب الحسابات، خصوصاً أن قواعد الاشتباك لم تُغلق بصورة نهائية.
ويرى أن خطورة أي تصعيد جديد تكمن في احتمال عدم بقائه محصوراً داخل الجغرافيا اللبنانية، ولا سيما إذا دخلت إيران بصورة مباشرة على خط المواجهة، الأمر الذي قد يحول أي تطور واسع على الجبهة الجنوبية إلى جزء من مواجهة إقليمية أكبر.
وعن السعودية واليمن، أشار رسلان إلى أن المملكة ليست بعيدة عن دائرة الضغوط، في ظل استمرار حضور الجبهة اليمنية والتهديدات المرتبطة بالمنشآت النفطية وحركة الملاحة في البحر الأحمر.
وأضاف أن الطاقة تعود بذلك إلى قلب المواجهة الإقليمية، من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر والمنشآت النفطية الخليجية.
وفي الشأن التركي، يرى رسلان أن أنقرة تتحرك ضمن مساحة شديدة الحساسية من خلال محاولتها تثبيت حضورها في سوريا، فيما يراقب الكيان الإسرائيلي تنامي النفوذ التركي باعتباره تطوراً استراتيجياً.
وأشار في المقابل إلى أن الاتصالات والوساطات الأميركية لا تزال حاضرة لمنع انتقال التنافس بين الطرفين إلى مواجهة مفتوحة.
أما في الضفة الغربية، فقال إن التحذيرات الإسرائيلية من اقتراب الوضع من مرحلة الانفجار تكشف أن الكيان لا يواجه جبهة واحدة، بل مجموعة جبهات متداخلة، بعضها عسكري مباشر وبعضها سياسي وأمني.
وأضاف رسلان أن استمرار المفاوضات والوساطات بالتوازي مع التصعيد يمثل إحدى أهم سمات المرحلة، لأن الأطراف لا تتحرك نحو الحرب وحدها ولا نحو التسوية وحدها، بل تستخدم الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي لتحسين مواقعها على طاولة التفاوض.
وبالعودة إلى لبنان، يرى رسلان أن المواجهة المقبلة قد لا تقتصر على الجانب العسكري، مشيراً إلى وجود مساعٍ داخلية لاحتواء مؤسسات المقاومة والالتفاف عليها ضمن بيئة سياسية تحظى بدعم أميركي وبعض العرب.
وأضاف أنه إذا صحت هذه القراءة، فإن لبنان قد يدخل مرحلة تتداخل فيها الضغوط الخارجية مع الحسابات الداخلية، وتصبح فيها معركة التوازنات السياسية والأمنية جزءاً من الصراع الإقليمي.
وختم رسلان بأن المشهد لا يعكس استقراراً حقيقياً، بل هدوءاً مليئاً بالرسائل، فالجبهات لم تُغلق والأوراق العسكرية لم تُسحب، بينما يتحول الاقتصاد بصورة متزايدة إلى أداة في الصراع، بالتزامن مع استمرار القنوات الدبلوماسية في محاولة منع توسع المواجهة.
ويرى أن السؤال لم يعد: هل انتهت الحرب؟
بل: ما الذي يجري خلف هذا الهدوء؟
ويجيب بأن الصراع قد يكون انتقل من صورته العسكرية المباشرة إلى أدوات أكثر تنوعاً، تشمل الضغط الاقتصادي والرسائل الأمنية والتحركات السياسية والمفاوضات وإعادة رسم التوازنات.
الميدان قد يبدو أهدأ، لكن الصراع خلف الكواليس لم يتوقف.